ابن كثير

321

البداية والنهاية

فأعظم الناس مكانه ، وهالهم أمره ، فقال له صاحب شرطة الملك - سرا بينه وبينه - : أيها العالم ، أذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلي حتى أصنعه لك على حدته ، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع بين يديك ، فتأكل منه حلالا ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير ، فذبح ذلك العالم جديا ، ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له ، وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير ، أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي واجتمع الناس ، لينظروا أمر هذا العالم فيه أيأكل أم لا ، وقالوا إن أكل أكلنا وإن امتنع امتنعنا . فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازير فوضعت بين أيديهم ، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكي ، فألهم الله ذلك العالم فألقى في روعه وفكره ، فقال : هب أني أكلت لحم الجدي الذي أعلم حله أنا ، فماذا أصنع بمن لا يعلم ؟ والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي ، وهم لا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير فيأكلون اقتداء بي ، فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة ، لا أفعل والله وإن قتلت وحرقت بالنار ، وأبى أن يأكل ، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويومي إليه ويأمره بأكله ، أي إنما هو لحم الجدي ، فأبى أن يأكل ، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى ، فألحوا عليه فأبى ، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله ، فلما ذهبوا به ليقتلوه . قال له صاحب الشرطة : ما منعك أن تأكل من اللحم الذي ذكيته أنت ودفعته ألي ؟ أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه ؟ ما كنت لافعل والله . فقال له العالم قد علمت أنه هو ، ولكن خفت أن يتأسى الناس بي ، وهم إنما ينتظرون أكلي منه ، ولا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير ، وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتي من الزمان يقول : قد أكله فلان ، فأكون فتنة لهم . فقتل رحمه الله . فينبغي للعالم أن يحذر المعايب ، ويجتنب المحذورات ، فإن زلته وناقصته منظورة يقتدي بها الجاهل . وقال معاذ بن جبل : اتقوا زيغة الحكيم ، وقال غيره : اتقوا زلة العالم ، فإنه إذا زل زل بزلته عالم كبير . ولا ينبغي له أن يستهين بالزلة وإن صغرت ، ولا يفعل الرخص التي اختلف فيها العلماء ، فإن العالم هو عصاة كل أعمى من العوام ، بها يصول على الحق ليدحضه ، ويقول : رأيت فلانا العالم ، وفلانا وفلانا يفعلون ويفعلون . وليجتنب العوائد النفسية ، فإنه قد يفعل أشياء على حكم العادة فيظنها الجاهل جائزة أو سنة أو واجبة ، كما قيل : سل العالم يصدقك ولا تقتد بفعله الغريب ، ولكن سله عنه يصدقك إن كان ذا دين ، وكم أفسد النظر إلى غالب علماء زمانك هذا من خلق ، فما الظن بمخالطتهم ومجالستهم ولكن ( من يهدي الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) [ الكهف : 17 ] . وقال محمد بن عبد الملك بن زنجويه : حدثنا عبد الرزاق عن أبيه قال : قلت لوهب بن منيه : كنت ترى الرؤيا فتخبرنا بها ، فلا نلبث أن نراها كما رأيتها ، قال : ذهب ذلك عني منذ وليت القضاء . قال عبد الرزاق : فحدثت به معمرا فقال : والحسن بعد ما ولي القضاء لم يحمدوا فهمه ، فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ فكيف حال من قد غرق في قاذورات الدنيا من علماء زمانك هذا ،